سبويلر أليرت الفقرة الثانية: Mr. Nobody
لدي كلٌ نسخته من الحقيقة. يعرفون جميعا ماذا يفعلون، يعتبرون أنفسهم أسوياء منطقيين موضوعيين؛ بينما كل الآخرين ليسوا كذلك. أنا أتفهم هذا، ضمن أشياء كثيرة أتفهمها على اختلالها. أتفهم أن شخصًا ليؤمن بشيء، بأي شيء، لابد أن يصدقه تمامًا، وأنه لكي يكون على حق، لابد أن تكون الأفكار المضادة كلها خاطئة. لديّ فقط سؤالا واحدًا: هل يمكن أن أعتقد في الشيء، بدون الإيمان به؟ أقول: هل يمكنني أن أمتلك نسخة من الحقيقة أنا أيضًا كالآخرين، مع الاحتفاظ بكل شكوكي وتحفظاتي؟
في فيلم "السيد لا أحد"، أخبرنا البطل الوسيم أن الاختيارات المختلفة تعني سيناريوهات مختلفة للأحداث، لهذا، فإن اختياري لطريق ما، هو في الحقيقة إلغاء كل السيناريوهات الأخرى، كأن لم تكن. كان لدى البطل الوسيم القدرة على التعامل مع اختياراته بعملة يلقيها في الهواء، وأخبرنا في النهاية، أنك إن لم تختر شيئًا، فإنك ستعيش كل الاحتمالات معًا. أنا لا أحب الأقدار، ولا أحب الاحتمالات، ولا أحب الاختيارات. هربتُ من كل الاختيارات، وتركت الحياة تحدث من حولي. ولم أحب كل السيناريوهات التي حدثت في النهاية.
أشعر أحيانًا أنني أعيش في فقاعة زجاجية، داخل عقلي، أراقبني كأنني أشاهد عروسة متحركة، أقيم أفعالها، لا تعجبني غالبًا، أوافق على أشياء وأرفض أخرى، أقيم وأعيد التقييم. عندما اكتشفت هذا الانفصام عندي شعرتُ أنني أنزلق نحو الجنون. خشيتُ في البداية أن أفكر في الأمر كثيرا، أو أن أحكيه، وأنكرت وجود هذا الآخر داخل عقلي. بعبارة أدق: أنكرت أنني مختبئة داخل تلك الفقاعة بينما من تتحرك وتفعل وتقول وتحب وتكره وتندم وتخاف وتأمل وتتشائم ليست إلا عروسة قماش، لا حياة فيها. لكن للفكرة وجاهتها، ولا أستطيع انكارها ما دامت قد وجدت. المؤسف، أنني لا أتحكم في هذه العروسة. الأمر عصيّ على فهمي، ويحبب الجنون فيّ. أعتقد أنني صنعتُ هذه العروسة لأحملها أخطائي. لقد حرمتها من الوعي، لم أمنحها القدرة على التحكم في وجودها وأخذ القرارات، لكنني في الوقت ذاته لم آخذ هذه القرارات. أي أنني، بشكل أو بآخر، هربت من الاختيارات، بأن خلقتُ كيانًا آخر، ألومه على كل ما يحدث كما لا يجب، ولكنني لم أعطه القدرة على فعل ما يجب.
أحيانًا، أكون بصحبة آخرين، وفي اللحظة التي أعود بها وحدي، أشعر أن العروسة تتراجع وأعود أنا للحياة. أشعر بوجودي ولكنه يخنقني. أفكر أنني أستطيع الآن في هذه اللحظة أن أوجد، أن أتحكم في العروسة، أن أتحد معها، ولكنني أهرب في لحظتها وتعود، منهكة، إلى الحياة العروسة المصنوعة من قماش قديم مهتريء مزيّن باالذهب المغشوش. تتراجع العروسة أحيانًا أخرى عندما أقترب بشدة من أحد، عندما أنظر في عينيّ أمي، أو عينيّ صديقتي، وأشعر أن جسرا ما بيننا يصلهم إلى قلبي وعقلي. أشعر أنني أنظر بعينيّ من خلال عينيّ العروسة، وأنني أوجد. وكل ما أفعله عندها هو أنني أحاول أن أغالب دموع تريد أن تعبر الجسر الممدود، لكنني أغلبها، وأمنعها من أن تصل إلى عينيّ العروسة، فننفصل مرّة أخرى أنا وهي، وتعود هي للحياة وأختبيء أنا خلفها.
الأكثر أسفًا على الإطلاق، هو أنني لا أعتقد أن هذه الـ "أنا" المختبئة التي تراقب لديها شخصية محددة. لا أعتقد فعلا أنني أوجد بهذه الدقة. لا أقول أنني فقدتها، أو فقدتني، لا أعرف، لا تسعفني الضمائر كثيرا - لكنني أخبيء شيئًا ربما لم يكن موجودًا بالأساس. أعود لسؤالي الأول عن الثقة والاعتقادات وعن الحقيقة. عروستي أيضًا لا تحمل شخصية محددة. يمكنني أن أعيد ترتيب القماش وأن أغير التطريز المذهب. عروستي تتغير كثيرا. هل يمكنني إذا أن أصدق للحظة اللحظة، وأن أكونَ غدًا شخصًا آخر، لا يعترف بما فعله اليوم؟
أريد أن أختم هرائي المبعثر بهدف ربما يجعل لكل ما سبق معنى، ويعطي لكل ما سبق لونًا: أريدُ أن أحصل على لحظة حقيقة، أصدقها وأؤمن بها؛ أن أوجد بها عندما تحدث، وأن أكونُ أنا من صنعتها، بوعي وباختيار؛ أن ألا أخاف وقتها من أنني سأكون غدًا شخصًا آخر، ربما لا يريد أن يمرّ بنفس التجربة مرة أخرى.
Comments
Post a Comment