بالنسبة لشخص مثلي، يخشى ما لا يعرفه، ويحب أن يكون مستعدًا، يعتبر السفر مخاطرة تستغرق الكثير من التخطيط ويتخللها الكثير من الخوف ومن مماطلات العقل الباطن. بالنسبة لشخص مثلي، يمل سريعًا سريعًا، يعتبر السفر مخاطرة جميلة ممتعة تضخ التشويق في أركان حياتي المملة دائمًا.
حدث كل شيء سريعًا، رغم أنني كنت أخطط له من قبلها بكثير. مراوغات عقلي الباطن أقنعتني أنه لن يحدث، لم أستعد للأمر نفسيًا. أعتقد أنني رغم كل استعداداتي واحتياطاتي التي أرغم نفسي عليها، أتجاهل الاستعداد النفسي. تجاهلت الأمر طويلا، في وسط كل هوجة الأوراق والاجراءات، وليلتي الأخيرة في مصر قضيتها في محاولة تعبئة كل حياتي في حقيبتي سفر وشنطة ظهر.
قلت لنفسي، حين أصل هناك، سأكون شخصًا آخر. لا داعي لارهاقي بمن أكون الآن، ولماذا سأفعل ما أفعل، لأن هذا كله ستغير قريبا.
عندما فارقت عجلات الطائرة أرض مطار القاهرة، شعرتُ، وليس تشبيهًا، أنني تركت جزءً مني على هذه الأرض، تركته ولم آخذه معي. ودمعت عيناي. عندما هبطت الطائرة في مطار مدريد، ونظرت من النافذة فكانت السماء زرقاء يشوبها قطع بياض متفرقة من السحاب، امتلأ قلبي برهبة ووجل. وشعرتُ بالغربة وسط كل الإسبان الذين يبتسمون بثقة المواطن في بلده التي يعرفها. لأول مرة، استوعبتُ أنني، ولفترة طويلة جدا، سأستخدم لغة ليست لغتي الأم، للتعبير عن نفسي. وأنني في أشد لحظات ضيقي، سيكون عليّ أن أبذل مجهودًا لتصريف الأفعال تصريفا صحيحًا. وأنني إذا تشاجرتُ مع أحدهم، لن أستطيع غالبا أن آخذ حقي، لأن، كما نعلم جميعًا، الشجارات ينتصر فيها الأكثر تمكنا من لغته. تيبس قلبي وافتقد الجزء مني الذي تركته في مصر ولم آخذه معي.
كان علي بعد هذا، أن أحمل حقائبي الثقيلة، وأستقل حافلة لسلامنكا، المدينة التي سأعيش بها. وكان الطريق ثلاث ساعات، وكنت متعبة، فنمتُ الرحلة كلها تقريبًا. عندما وصلنا سلامنكا، انتهبتُ من نومي، فوجدتني في المحطة التي أعرفها، نظرت من النافذة، وكانت الشمس قد رحلت، ولكنها تركت ندوبًا في السماء، جعلتها تنزف. نظرت إلى السحاب الأبيض، وقد تشرب الدم كالقطن، ورفرف قلبي. وعندما هبطت من الحافلة، رفعت رأسي مرة أخرى إلى السماء، وابتمست وشعرت أن المدينة تحتضني. وشعرتُ أنني اكتسبت جزءً جديدًا في روحي سيعوضني عن الجزء الذي تركته هناك.
Comments
Post a Comment